منتدى معهد فتيات المنطقة السادسة
منتدى معهد فتيات المنطقة السادسة
يرحب بكم
اذا كنت زائر وترغب بالتسجيل فتفضل
واذا كنت زائر يريدالتصفح
فاهلا بك
وشكرا
*******************


. ^•.•° ♥معـــــــــــهد فتـــــــــــيات المنــــــــــــطقة الســـــادســـــة♥ °•.•^
 
الرئيسيةالرئيسية  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
$$هــــــــــــــــام$$
بــــــــرجــــاء الالتزام بالزى المدرســـــــــى
النظـافة من الايمــــان

شاطر | 
 

 روايه المجنون

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
sheomy
مراقبة عامة
مراقبة عامة
avatar

تاريخ التسجيل : 19/07/2010
العمر : 22
الموقع : منتدى معهد فتيات المنطقة السادسة

مُساهمةموضوع: روايه المجنون   الثلاثاء أغسطس 16, 2011 8:53 am

بسم الله الرحمن الرحيم

رواية المجنون للكاتب الجزائري محمد جربوعة من أروع ما وقعت عليه عيني من الروايات ، إذ أنها لا مست جرحاً دامياً في قلبي هو ( أفغانستان ) وحكت رواية مجنون جعلني الله مثله أنف الضيم وأبى الذل ، ففعل مالم يفعله ملايين العقلاء !!
قرأت هذه الرواية وأنا والله لا استطيع تمييز سطورها من همل الدموع ، عشت مع مجنونها ، أبكي ذل نفسي وقعود همتي عن نيل فضل ذروة الدين وسنامه ...
ومع الرواية
هذا الصباح ...وهذه أكواخ القرية المتباعدة...يتصاعد من بعضها الدخان...والصمت
المطبق الذي لايكسره سوى ثغاء خروف هنا أونباح كلب هناك...

وللناس هنا بساطتهم ,وأحزانهم...كـان بعضهم يقف أمام كـوخه البسيط يلتحف بطانية من
شدة البرد,لم يكـونوا يتبادلون التحية أو الكلام كون المسافة بين كوخ وكوخ كانت
كبيرة,غيرأن أعين هذا كانت تترامى لتعاين ذاك أمام كوخه,يشعل نارا,أويقف كهيكل جامد
من البرد,يتأمل القرية بعينيه...

قرية (خاهزادشي) هذه...كل مافيها-وليس فيها كثير أشياء-يوحي بأنها عاشت المأساة
قريبا,وأنها تحاول الآن أن تنسى...أن تتنفس,لكن هاجس الخوف يبقى يقتل في قلبها
الأمل,ويكسر فيه محاولة الحياة مرة أخرى...

في الجبال القريبة كان الثلج سيد القمم...الثلج أول مستكشف يصل الجبال النائية في
المناطق الباردة,ويغرز راياته البيضاء فيها...وبعد ملايين السنين يظهر شخص أو
جمع...يجر أقدامه في السفوح تحت العاصفة...يصل القمة منهكا,يركز فيها رايته...ويسجل
في مذكراته أنه أول من وصل هناك...غير أن الثلج كان الأسبق...

وللثلج هنا علاقة وطيدة بساكني هذه الأكواخ...فهو شمسهم لو كانوا من أهل
الصحراء...وموجهم لوكانوا من سكان السواحل...

والقمم تبقى قمما...وكانت تبدو غريبة...غامضة...كأنما تخفي أسرارا ضبابية,يؤكدها
البعض حد اليقين,وينفيها البعض حد العدم...وبين اليقين والعدم تنمو الأسطورة
دائما...سرابا ساحرا..

فما الذي تخفيه قسوة تلك القمم مما يبيح للدخلاء بين الحين والآخر قصفها وإمطارها
بالنار...؟!!


هذه القمم كإنسان المنطقة,غير أنها تلتحف الثلج,وبيدها تمسك ذلك الرداء تحت
ذقنها...وتطل على القرية صامتة دون أن تشي بما تخفيه من أسرار...وهكذا هو الإنسان
هنا...

وكان كوخها هنا بين الأكواخ...العجوز العربية التي صارت واحدة من أهل القرية منذ أن
جاءت مع عائلتها إلى هنا أيام الاحتلال الروسي.>>



أمام هذا الكوخ كانت دجاجات تسرح... تلتقط من الأرض المبللة أقواتها... أما كلب
الحراسة فقد كان مقعيا أمام مكمنه يتأمل مجموعة كلاب تراءت له عن بعد,تمرح
متتابعة...يداعب بعضها بعضا بعضات أوضربات مخالب,دون أن تتوقف عن الجري...وكان
يصدر من حلقه أصواتا مترددة لاهي نباح ولاهي صمت ,شبيهة بتلك التي تصدرها فصيلته
عادة حين ترى صاحبها قادما إليها بطعام...أصوات نفاد صبر...أو اشتهاء
للطعام...أواستعجال له...أوشيء كهذا.>>

وفي الكوخ الذي تسرب إليه من الضوء ما لايكفي لإخراج العتمة من زواياه...وفي إحدى
تلك الزوايا...كانت هي تجلس...عجوز في السبعين...بثيابها الرمادية الخشنة...وهذا
الغطاء الأخضر للرأس,والذي ظهرت من جانبيه على مفارقها خصلات رمادية من الشعر,يغلب
عليها البياض...

خالة سعيدة...هكذا يدعوها أهل القرية...صغيرهم وكبيرهم...لم تكن تلك الساعة من
الصباح تفعل شيئا...ودخلت عليها حفيدتها عائشة...فتاة في العاشرة...متلفعة بأثواب
متباينة الألوان,كل ماهو مطلوب من لبسها حماية ذلك الجسد الهزيل من لسعات البرد
التي لاترحم...أما رجلاها فكانت محمرتين يميل لونها إلى الزرقة في ذلك الخف
البلاستيكي الأخضر...أما على رأسها فكانت تضع لحافها البني المخطط بالبياض والذي
لاتملك غيره...وكانت تلف ذيل ذلك اللحاف على رقبتها إحكاما له...وقصدت مدفأة الحطب
ذات المدخنة الممتدة عبر فتحة في السقف إلى أعلى وهي تدخل رأسها بين كتفيها,يرتعد
رأسها من البرد...وهي تصدر صوتها المرتجف...الذي كأنما ينبع من أعماق روحها
المعذبة:أ ح...ح...ح...ح.

ألقت أعواد الحطب التي بين ذراعيها إلى ألسنة النار...ثم أخذت سيخ الحديد...وقد علا
الدخان,لتعدل وضع بعض الأعواد...ثم ارتكزت على ركبتيها,وقربت وجهها من النار,تنفخ
فيها,وقد انتشر الدخان في الكوخ...وانتشرت معه رائحة الحطب...وطقطقات النار في
أعواده المبللة...

وتلاعبت في وجهها الظلال المنعكسة من حركة النار...ومدت يديها مبتهجة نحو النار
كأنها تأخذ منها بعض ما يشيع الدفء في اليدين المحمرتين المتجمدتين...اللتين عادت
تفركهما بعد ذلك وهي تقول

جدتي يمكنك الاقتراب من النار...هيا ياجدتي سأفرش لك ذلك البساط هنا قريبا
منها...هيا ياجدتي...وهرعت إليها تعينها على القيام وهي تأخذ بيدها,بعد أن بسطت لها
ذلك الجلد الصوفي الأسود,الذي كان لهم من كبش أضحية عيد ولى منذ سنوات...



وتوكأت العجوز بيدها على ركبتيها,بينما يدها الأخرى في يد حفيدتها,وقامت وهي تطلق
تأوها طويلا مصاحبا لقومتها تلك,وقد أتعبتها أدواء المفاصل التي كثيرا ماتشتد عليها
في هذا الوقت من السنة.

في الغرفة لم يكن غير بعض آنية في زاوية,يقابلها في زاوية أخرى الوسائد والفرش
المطوية الموضوع بعضها فوق بعض...وصندوق خشبي صغير فيه ماقد يقال عنه لباسا...

وقادت البنت جدتها إلى جهة النار,غير أن الجدة جذبت يدها برفق من يد البنت,كأنما
تستل قطعة جامدة من قطعة جامدة...فلم يكن في اليدين من الإحساس المعتاد في تلامس
الأيدي شيء...قطعتا خشب كانتا...


-دعيني ياابنتي...سأتوضأ أولا,وأصلي صلاة العيد...

ألم يعد أخوك؟


-لم يعد...مرت ثلاثة أيام ياجدتي ولا أثر...


-لاتقلقي عليه ياابنتي سيعود...هكذا هو في كل مرة...كان الله في عونه...


-جدتي أين ينام؟ وهل يأكل؟!


-عامر ياابنتي مجنون...وللمجانين عالمهم...أعانه الله.

-لكن ألا يبرد ياجدتي... ألا يجوع؟

كانت الصغيرة تتحدث عن أخيها بعاطفة أمها التي قتلت مع أخويها في القصف الأمريكي
الأخير...وقد أصيب أخوها عامر باختلال عقلي من وقع تلك الصدمة... كان يضع وجهه على
الأجساد الثلاثة الممزقة لأمه وأخويه,يقبلها,ثم يمسح عن شفتيه وأنفه ووجهه آثار
الدماء وهو يقول:

ما الحياة بعد هذا؟ وبعد أسبوع قتل أخوه الأكبر في قلعة (بانغي)...وقال حين بلغه
الخبر...انتهى كل شيء...وجن...

جذبت الجدة الباب إلى الداخل تفتحه لتخرج...كان عبارة عن ألواح متلاصقة تجمعها إلى
بعض لوحات أخرى تقاطعها مسمرة فيها.ولم تكن الشقق بين الألواح لتمنع ريحا ولا ضوء
نهار...

ولعل الضوء آلمها وهي تخرج...فوضعت يدها اليمنى على عينيها...وفركتهما مليا...ثم
رفعتها عنهما لتفتحهما تدريجيا تتأمل بهما القرية في صبيحة العيد هذه...

كانت ترتجف كقصبة تبن بدت في لبنة طين في جدار كوخها إن هبت الريح...وأعادت على
ذراعيها أكمام ثوبها,وقامت عن الحجر الذي كانت تجلس عليه للوضوء...ودخلت
لتصلي...ولتأخذ مكانها حفيدتها للوضوء...وحين دخلت البنت سمعت جدتها تقول في حرارة
السجود في برد الكوخ...:ارحم الشيبة والغربة والفقر والضياع...وحفظت البنت لتقول هي
أيضا بعد ذلك في سجودها:ارحم اليتم والغربة والفقر والضياع... .ولم تكد تنتهي من
صلاتها حتى سمعت وقع خطى تقترب من الكوخ...ويدفع الباب نحو الداخل...ويدخل
شخص...وتقول الجدة وهي تقوم إليه في لهفة متوكئة على آلامها وعقود عمرها:

-عامر...عامر...جئت ياحبيبي؟

تعال اقترب دفئ يديك ياحبيبي...ماهذه الخدوش في وجهك؟ ماهذا ياعامر...؟

كانت عينا المجنون مسالمتين,واقترب في وجل,كأنه ضيف,أوطفل خجول...حضنته جدته...ثم
أجلسته إلى النار وجلست بجانبه,تأخذ يديه بيديها,تفركهما وهي تقربهما من النار, ثم
تأخذ يديها تحميهما وتمسح بهما وجهه...وأنهت البنت صلاتها...وجرت نحو أخيها:

عامر...عامر...عامر...واستدار إليها فرأت عينيه قد سال منهما خيطان من الدمع...ورأت
الخدوش...فسارعت إلى مسحها بخرقة مبللة, ثم صعدت يدها لتفرك بعض الطين اليابس على
شعر أخيها, وهي تبكي في صمت كجدتها...

وتأملت شعره, كان أشعث متسخا...وتذكرت الأيام الخوالي...حين كان يقف أمام المرآة
يمشطه, وكان أحيانا يطيل تأمل خصلاته معجبا به, لدرجة أن أباه كان يزجره أحيانا,
وهو يقول:

هذا من فعل النساء يابني...فلا تمكث طويلا أمام المرآة. وتتذكر البنت أنها كانت
تقول لأبيها:



-وهل النساء فقط اللواتي يقفن أمام المرآة طويلا؟

فيجيبها:

ياابنتي...إذا رأيت ذبابة فوق المرآة فاعلمي أنها أنثى...وكانت بعد ذلك تضحك وهي
ترى ذبابة فوق المرآة وهي متأكدة من أنها إما أنثى أو ذكر مدلل معجب بوسامته مثل
أخيها...

-عامر هل آتيك بطعام؟ هه؟ هل أنت جائع؟

وهز رأسه في انكسار دون أن يرفع بصره عن النار...وجرت الصغيرة, وقامت معها الجدة
يعدان له بعض ما يذهب جوعه ويشيع الحرارة في جسده, ولم يكن في الكوخ غير قليل من
الأرز المتبقي من وجبة اليوم السابق.

امتدت يد المجنون إلى الإناء تأخذ منه لقمات متتالية..

وبكت الجدة وهي تتأمل ذلك...أما أخته فذهبت تحضر بعض الماء تسخنه على النار لتغسل
له رأسه وأطرافه...

ومسحت اليد النحيفة بارزة العروق الإناء ثم وضعته جانبا...وسألته جدته:

-هل شبعت ياحبيبي؟

ولم يجب...غير أنه لم يكن عندها ماتقدمه له آنذاك, لذلك قالت: عندنا بعض
البيض...سنسلقه للعشاء...وهز الشاب رأسه...كان في الخامسة عشر من العمر...يحفظ
القرآن الكريم...والكثير من المتون...وينظم الشعر كأبيه...

ووضعت جدته يدها على رأسه, وجذبته إليها, فتوسد حجرها قرب النار...وكانت تمرر يدها
على كفه بلطف وحنان, تلامس فيه أباه... ابنها الغائب...ذلك الذي يمزقها الشوق
إليه...

وأحست بغفوة المجنون الطيب فقامت برفق...جلبت وسادة...وضعتها تحت رأسه, ثم قصدت
الصندوق الخشبي...أخرجت منه ثوبا أزرق بلون البحر...قربته من وجهها...شمته ثم ضمته
إلى صدرها...وعادت إلى مكانها الأول في الزاوية...وضعت الثوب في حجرها...وعصرت
عينيها, فتحدرت منهما حبات ماء تعلقت برموشها, وتنهدت وهي تقول:



-سليمان...ولم تزد...

ولعل حفيدتها كانت قد سمعتها وهي تدلف من خلال الباب حاملة إناء كبيرا مملوءا ماء
وهي تقول:

-عامر...ها قد...

ونهرتها جدتها:

اس...س...س...س...إنه نائم...وتوقفت البنت كأن الجدة قد روعتها...ثم عادت تخطو
كالمرعوبة برفق نحو النار لئلا يفيق أخوها الذي من الواضح أنه لم ينم من ليال...

وفعلا فما كان من الممكن أن ينام عامر في عراء وبرد خرابات تلك البيوت المهدمة
القريبة من المقبرة والتي يؤمها كلما هزه الشوق لأمه وأخويه ليقضي أياما هناك يحدث
شاهدات قبورهم, وينام قريبا من قبر أمه محتضنا إياه بحثا عن حنانها, خاصة حينما
يعصره الحزن والألم...أو يؤذيه الآخرون...ويرميه الصبيان بالحجارة وهم يتصايحون
حوله في مرح:

المجنون...المجنون...المجنون... .

وعلى قبرها وقبري أخويه كان يريق الكثير من دموعه

في ظلام وبرد الليالي...

وضعت البنت قدر الماء على الأثافي فوق النار ثم عادت إلى جدتها تسألها:

جدتي...هذا ثوب أبي أليس كذلك؟

قالت الجدة وهي ترفع بصرها المتهالك نحو حفيدتها:

نعم ياعائشة ثوب أبيك.

-ومتى يأتي أبي ياجدتي؟



قريبا إن شاء الله يابنيتي.

جدتي ماذا قال لك في الرسالة التي بعث بها إليك منذ يومين؟

-قال إنه بخير, وإنه سيعود قريبا...وإنه يوصيكم بالصبر والمحافظة على الصلاة وقراءة
القرآن...ويوصيك أن تهتمي بعامر...

جدتي سجن كوبا بعيد؟

بعيد جدا ياابنتي.

وماذا فعل أبي ليأخذوه؟

لاشيء..لاشيء يا صغيرتي. تعالي تعالي إلي...


واقتربت الصغيرة من جدتها فأخذتها إليها وضمت وجهها

الصغير إلى صدرها الذي تملأه الحرائق والدخان...تعطيها قليلا من الحنان تخرجها به
من جليد الأسئلة المريرة...

واستكانت البنت في حضن جدتها كعصفورة مبللة...

ـــــــــــــــــــــــــ

هذا سجن غوانتانامو...السيرك

الذي أقامته العنجهية هنا...على أرض كوبية مسلوبة...بأناس سلبتهم هم أيضا
حريتهم...وفي الأقفاص الحديدية بشر اقتيدوا من منازلهم,لاحيوانات مفترسة اصطيدت في
جبال قندهار وتورا بورا وجيء بها لتروض هنا...كان المكان خلية نحل...تكبيرا وحمدا
وتهليلا...وسليمان هذا القابع المستند إلى سلك قفصه...المغمض العينين, المردد:الله
أكبر الله أكبر لا إله إلا الله...الله أكبر الله أكبر ولله الحمد...

أحد الحراس يلقي سمعه مذهولا...لقد هزته عقيدة هؤلاء منذ أن جيء بهم إلى هنا...لقد
كان طوال شهور ماضية يحاول أن يرى منهم مايجعله يصدق مسؤولية أن هؤلاء
أشرار...سيئون...غير أنه كل يوم يفاجأ بالعكس...كانت نفسه تتوق إلى معرفة ما يقف
وراء هذه الأخلاق والثبات...كان يرى النتيجة ويطمح إلى معرفة مقدماتها...وكيف
تفاعلت لتعطي كل هذا...ولذلك قرر أن يعرف الإسلام...وصار من زوار مواقع
الإنترنت...وشرح الله صدره وأسلم...جون...هذا اسمه...كانت شفتاه تتحركان مع شفاه
إخوته المسجونين...:


الله أكبر وحده, صدق وعده, ونصر عبده, وأعز جنده, وهزم الأحزاب وحده, لاإله إلا
الله ولا نعبد ربا سواه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون...

أحس بعظمة الله الذي تتغير الأحوال ولا يتغير الاعتقاد به, ومن فرج إلى شدة تبقى
العبادة مصروفة له وحده...وتمنى أن يكون واحدا من هؤلاء المسجونين...تمنى أن يخرج
كل ليلة بعد منتصف الليل إلى حصص العذاب المنتظمة كما يخرجون, وأن يرجع إلى زنزانته
بمائة جرح نازف, يحمله بينهما جنديان إلى قفصه...

لقد قطع المسافة بين الباطل والحق, لكنه لم يقطع المسافة الأخرى بين أهل الباطل
وأهل الحق, لذلك كان يعيش التناقض...كان يقول في نفسه...حق هؤلاء باطل عند
أولئك...وحق أولئك باطل عند هؤلاء...فما الذي يفصل الأمر بينهما...أهو القوة؟ إن
القوة تجعل الضعيف يسلم بقوة خصمه, لا بحقه...الفاصل هو الحق ذاته...الحق الذي من
عند الله لا من عند البشر...ولئن كانت الأيدي الآثمة طوال قرون قد تلاعبت بما في
الكتب المقدسة الأخرى, فإن القرآن بقي محفوظا...وهو الأخير...وإذا كانت كل الكتب من
عند الله...فإن الأولى هو اتّباع الكتاب الأخير منها, ففيه خلاصة مامرّ
وزيادة...ولئن كان الناس اليوم زاهدين فيه, فقد كانوا في الأمس محكومين برحمته
ونوره وعزته, حين ملأ الدنيا في عهد النبي محمد صلى عليه وسلم, لذلك لا يهمّ هوانه
اليوم...إذ أن الذهب يصعد ثمنه وينزل بين يوم وآخر, غير أن قيمته هي هي...لا تنزل
مع نزول ثمنه...بل الذي ينزل هو اهتمام الناس به... كان مسؤول الدورية, يقف أمام
جون, يكسر عليه تفكيره وذهوله:

-انتبهوا جيدا...اليوم عيدهم...تذكروا دائما أنهم مجرمون وقتلة.وتلاشت الكلمات
باردة لامعنى لها على قدمي الجندي الحارس, وأحس بالملل تجاه هذه الجمل التي ما فتئ
المسؤولون في المعتقل يردّدونها على أسماع الجنود...وكان يراها جلودا فارغة يحاول
قادته نفخ الروح فيها...غير أن كل ما كانوا يفعلون هو أن ينفخوا فيها ريحا...لذلك
كانت تكفي مسكه من عقل ليدرك الإنسان الفرق بين الجلد الذي فيه صاحبه, والجلد
المملوء هواءا أو نخالة...

وبدأت أصوات الذكر تتناقض, وتهدأ...حتى صمتت, وحل محلها هذا العناق والتحيات,
والإشارات بين مسجوني
الأقفاص:

-(تقبل الله منّا ومنكم)..(غفر الله لنا ولكم).

كان سليمان في تلك اللحظات يحاول جاهدا الفكاك من عالمه ذلك, بحثا عن خلوة يغيب
فيها في عالم آخر...يرى فيه وجه أمه وأبنائه في صبيحة العيد هذه...

كان يريد السفر بفكره إلى هناك, يدخل عليهم الكوخ...يضمهم...ويقول لهم كلمة,تطمئن
قلوبهم المتعبة التي ناءت بالحمل وهدتها الصدمات...

وعادت إليه صورهم لآخر لحظة تركهم فيها...كانوا يتمسكون به, ويتعلقون بثيابه...وأخذ
من بينهم.

كانت يداه ممتدتين نحو أمه, يقول لها:

لا تقلقي سأرجع...اهتمي بنفسك وبالأولاد...

وكانت هي أيضا ترى أنه سيرجع...وماكان هنالك من سبب لاعتقاله أو قتله...فقد جاؤوا
معه إلى هذه القرية أيام الاحتلال الروسي...وجاهد جهاد من يرجو عزة الإسلام والدار
الآخرة...وأصيب مرات عدة...وكتبت له النجاة...وبعدها لزم بيته في هذه القرية, يدرس
أبنائها القرآن والسنة واللغة العربية...وفي خلواته ينظم الشعر...لذلك قالت له أمه:

سترجع ياولدي سترجع.

كان نباح الكلب حينها شديدا يثير نباح كلاب القرية كلهم...وكانت الليلة ليلة
غزاة...

ومر يوم ويومان وثلاثة ولم يرجع...وعرفت العجوز الطيبة أن الظلم لايحتاج إلى مبررات
أوأسباب ليقع...وإلا لما كان ظلما...

وحين بدأ اليأس من رجوعه يداخلها كما تداخل حبات الظلام ضوء المساء فتغبشه قالت
لنفسها:

ليتني قبّلته...أو ضممته...ليتني قلت له:

اتـرك عنوانـك يـاولـدي

أولمسـة كـفّـك فـوق يـدي


فغـدا أشـتاق ولـيس معـي

لليـالي الفرقـة مـن جلـد

كان إخوانه في الزنزانة يعرفون أنه يبحث عن لحظات هـدوء..وأنه الآن يتمزق في دروب
القصيدة بين وهادهـا ونجودها...ويحاول أن يدخل من سمّ الخياط مرة ومرة ليصنع
أبياته.لذلك رحموا عذابه ذاك...وهدأوا...يتأملونه في لحظات المخاض الصعب...لحظات
الإلهام...لحظات الميلاد وخروج القصيدة من رحم الوجع...

تنهد سليمان تنهيدة طويلة...ووضع القلم إلى جانبه...

-الحمدلله...

-ذكر أم أنثى ياسليمان؟

-بل, ألم يا أبا جابر...

-أتشنّف أسماعنا؟

-بل أعصر قلوبكم...

-وما يضر الشاة سلخها بعد ذبحها...

-اقرأ يا أخي...اقرأ...


ورفع الورقة أمام عينيه يتأملها...ليدخل في سمّ خياطها مرة أخرى...ومنذ دقائق كان
يحوّل وجعه إلى حروف...أما الآن فهو يحول الكلمات إلى صوت...بعكس ما فعله السومريون
الأوائل حين اكتشفوا الكتابه لأول مرة وحولوا أصواتهم المنطوقة إلى حروف يحفرونها
بأزاميلهم فوق الحجر...كان يتأملها منكسرة محبطة...تتوسد ذراعها المبلل بدموعها في
الكوخ القابع في البرد تحت الظلام...ليلة العيد...تتأمل الذّبالة الضعيفة لمصباح
الزيت...وهو يناديها من خلف المسافات:

-أطفئي المصباح نامي لن أعود...

فتقوم متهالكة تنفخ الشعلة الضعيفة...وتعود إلى فراشها كتلة متقطعة من جبل
الحزن...ويقرأ الفتى السجين لإخوانه هامسا:

أطفئي المصباح, نامي لن أعود ودعـيني الآن في نار القصيد

واتركـي كـأسـي بلاشـاي في كؤوس الغير إنّ اليوم عيد

تمنّـيني قريبا كـي تعيشـي ورغم أنّي ميّت خلف الحـدود

أمّ, ولتطوى ثيابي...خبّئيهـا خبّئي نعلي وسروالي الجـديد
وانقضي ماقد نسجت الأمس, انقضـي غزل انتظار لايفيـد


لست أدري مـا أقول...العمر
ليس لـي, آه سوى عمري

هل سأمضيه بلا قبلات أمّ
تنبت الـورد على صـخر

هكذا في الريح أبقى كجواد
راكض,أعيته عضات القيود

أضبط الوقع على قطرات
غير أنّي لست يأمّي شهيد

والمحطـات إذا جئت إليها
ذبحتني من وريـد لوريـد

فأنا المذبوح, لكن مادليلي؟!
ليس لي حق ولا عندي شهود

اسمعيني...مر عامان وعام

كلّمـا قلت (كفـى), جــاء

فاعذريني إن أنا ضاع جوابي

وضـعي اللـوم على سـاعي

ربما ضاعت حماماتي...احتمال

مثلما ضعت...وما ذاك بعـيد

إنني الآن أحس الكون سمّا

في خيـاط..ثقـب زرلا يزيد

فضعيني بين كفيـك كطير

أخـرجيني بين أكـوام الجليد

واسأليني... ولما لا تسأليني؟!

فرجـاء اسـأليني ما أريـد

اكسـري القوسـين حـولي...

وانقليني أنت للسّطر الجديـد

أو أنـا طير جـريح لايغنّـي

فاصنعي لي فوق منقاري نشيد

لاتقولي:عد سريعا ياصغيري

لا تقولي:عد أيا هذا العنيـد

فأنا صرت كبيرا مثل حزني

مثـل شـوقي واحتراقـي في

أزرع الظّـل على كلّ دروبي

ربما تنمو ظلالي كـــورود

يتبع...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sheomy
مراقبة عامة
مراقبة عامة
avatar

تاريخ التسجيل : 19/07/2010
العمر : 22
الموقع : منتدى معهد فتيات المنطقة السادسة

مُساهمةموضوع: رد: روايه المجنون   الثلاثاء أغسطس 16, 2011 8:56 am


+
----
-

غير أني دائما في كلّ صيف

أحصد المـزروع خطوات شريد

مـا تقولين؟ وما رأيك أمّي؟

مـا الذي أجنيه مـن هـذا

أأناديك؟ بماذا؟كـيف؟قولي...

ليس لي ياء وخـانتني المدود

كلما قلت:أعود اليوم,نادى


قدري: كلاّ وربّـي لن تعـود

كلما قدمت رجلا عدت عشرا


لا أجيد العود حقـا لاأجيـد

ربّمـا آتي, ولكن ليس وعدا


فأنــا لا أملـك الآن وعود

وما كان يملك نصف وعد فعلا..

ـــــــــــــــــــــــــــ

حينما فتح عامر عينيه كانت النار قد خبت...ولعلّ إحساسه
بالبرد هوالذي أيقظه, إذ لم يمر على نوم أكثر من ساعة,وهو لم ينم فيما يبدومنذ
ليال...وتحوّل إلى جنبه الآخر معطيا ظهره للنار...وانتبهت جدته وأخته إليه...

قالت جدته:
-هل نمت قليلا ياحبيبي؟

ولم يجبها, كما أنه لم يحول بصره عنها...ولما رأت ذلك منه قامت ومشت خطوات حيث هو,
وجلست إلى جانبه...

-جدتي الأرض باردة...افترشي هذا...قالت عائشة ذلك وهي تناول جدتها البساط...وأخذته
الجدة منها.

كان في عيني عامركلام كثير قرأته جدته فيهما حين كان مستلقيا أمامها على ظهره يحملق
في السقف...
وقالت وهي تعبث بشعره:

-عامر هل تريد شيئا؟

وابتسم لها بسمة هادئة بريئة...وطرفت عيناه بهدوء...ورأت في وجهه الوداعة...وأعادت
سؤالها ووجها إلى وجهه:

-هل تريد شيئا؟

ولم يجب...لذلك راحت تغني له أغنيتها التي كانت تغنيها له صغيرا لينام, دون أن تخرج
يدها من شعره...

كانت تذهب بصدرها ورأسها وتجيء متابعة لحن أغنيتها الهادئة...وفاجأها:

-جدتي...

-نعم يابني.

-هل...

وسكت...وانتظرته قليلا, لكنه لم يتكلم...

-هل ماذا يابني...؟

وصمت قليلا...فجرت أخته إلى جانبه تنظرمايقول:

وهي تسأله: تكلم ياعامر...ماذا تريد أن تقول؟...كانت تريد أن تخرجه من صمته الطويل
القاتل...ولعله كان يقاتل من أجل أن يخرج ماعنده...لذلك نجح في كلمة وغلبته التي
بعدها متمنّعة...فاستسلم مهزوما...وماكانت أخته لتفلته وهي تعرف طبعه...فلا بد من
إعانته على كسر جدار الصمت الذي تتخفى وراءه الكلمات والجمل...

-ماذا ياعامر؟...أكمل...تكلم...

كانت تقول له ذلك بلطف ورحمة وهي تتأمل عينيه...

ونطق...:

- جدتي...كيف قتل أخي خالد؟

ولماذا تسأل يابني؟ لقد قصصت عليك ذلك ألف مرة...

وصمت الفتى...وأحست جدته بالندم يعصرها, فلعلّها قست عليه بامتناعها عما
طلب...وخطفت إليه نظرة فإذا هو يضغط على أسنانه مغمض العينين...

ربما كان الآن يعيد تخيل ماقصته عليه جدته...وتحركت يدها الدافئة إلى ذقنه
تداعبه...وفتح عينيه مبتسما...وابتسمت له جدته,ثم نظرإلى عائشة فإذا هي تبتسم واضعة
مرفقها في حجرجدتها متكئة عليها, مائلة نحوها ونحوه مدنية وجهها من وجهه... :

خالد؟

إيه...قالت ذلك بتنهيدة طويلة...كان طيّبا مثلك...كان المساء, وأرسلته يشتري
بصلا وخبزا...ألقوا عليه القبض عائدا...أراد أن يفهمهم أني أنتظر منه ماأرسلته من
أجله لإعداد العشاء...ضربوه على وجهه بأخمس رشاش فشجوا جبهته, وجرحوا أنفه...هذا
ماقاله الذين شاهدوهم يلقون عليه القبض...وانطلقت به شاحنة نحو المجهول... .

قال المجنون وقد أحس بالعطف على أخيه: وهل أخذ معه الخبز والبصل ياجدتي؟

قالت الجدة: ولماذا ياحبيبي؟

قال ببراءة: ليأكل إذا جاع, فربما لايقدمون له طعاما.

أخذوه وخرجنا نسأل عنه...وبعد يومين جاء أحد الجنود إلى قريب له هنا في
قريتنا...كان يعرف خالدا...رآه عدة مرات حينما كان يأتي لزيارة قريبة ذاك من قبل...


قالت البنت:
وماذا حدث ياجدتي؟

أخبر الجندي قريبه أنه رأى خالدا في قلعة بانجي مع الأسرى...كان حافيـا,حاملا فردة
واحدة مـن نعله البلاسيتكي...قلبي عليه...لـ...

وقاطعها عامر:

بالتأكيد كان يحس بالبرد في رجليه...

وأكملت الجدة دون أن تعلق على قوله:

-وكان حاملا كيس الخبز والبصل...منكمشا في زاوية إلى جانب أحد إخوانه...لعل المسكين
كان يسأل صاحبه:

-هل سيطلقون سراحنا؟ أوربما شكا إليه البرد الشديد الذي تجمدت منه رجلاه.

قال الجندي: ثم قيل للأسرى وكانوا قرابة(600): هيّا انطلقوا فأنتم أحرار...لقد كانت
الجريمة في حاجة إلى مبرر لحدوثها وانطلق المساكين ليبدوا كأنهم يريدون التمرد
والهرب,واخترقهم الرصاص...

-الكـــــــلاب.

قالها عامر وهو يضغط على الكلمة لغيظه...ثم انتفض واستوى قائما يمشي نحو الباب...

تبعته جدته وأخته تحاولان الإمساك به...وفي المنحدر رأتاه يجري لايلوي على شيء...

عامر...عامر...

نادتاه, لكنه كان قد ابتعد...وجلست الجدة مستندة إلى جدار الكوخ, بينما بقيت البنت
إلى جانبها واقفة على رجل واحدة, بينما كانت قدمها الأخرى موضوعة على الجدار خلفها,
وأتبعتاه بصريهما...

في الخرائب القريبة من المقبرة كان المجنون يشعل
ناره...ويجلس محتضنا ساقيه, واضعا ذقنه على ركبتيه... يتأمل اللهب الذي انعكس في
بؤبؤيه متراقصا, يعلو تارة وينزل طورا...لكنه لايخمد...

كانت الأفكار تكتظ في جمجمته, وتضغط عليها بشدة...لقدكان آمنا في سربه...يعيش مع
عائلته سعادة البساطة, وفرحة اللقاء كل مساء حول موقد الحطب...إلى أن جاء الغزاة
فدمروا فرحته...قتلوا أمه وأخويه الصغيرين...وأسروا وقتلوا أخاه خالدا, ثم أخذوا
أباه بعيدا عبر مســـــــافات تبدو على الخريطة طويلة,فما البال بالحقيقه والواقع.

والآن يلتفت حوله فلا يرى مايمكن أن ينسيه المأسـاة...فماذا بقي له في الدنيا...؟!

إنه يتذكريوم قصف بيتهم ليلا...وداهمهم لهب النار...كان منطرحا على الأرض ينظر من
خلال الدخان إلى الأجساد الحبيبة, تحت الركام...وزحف والدماء تسيل من ذراعه
ووجهه...اقترب من جثة أمه...كانت هامدة لاحراك فيها...مد يده يرفع حجرا عن وجه أخيه
الصغيرعمر, ولم يجدلنصف رأسه أثرا, وإلى جانبه كانت أخته خولة في آخر لحظات عمرها
القصيرالمغدور وهي إبنة الأربع سنوات تحاول أن تفتح عينيها في الوجه الذي غطاه
التراب...وهي تقول:أريد أمي....

قام مغتاظا كالملسوع...يطفئ النار بقدميه, يطأ أعوادهـا وجمرها بحذائه وهو
يصرخ:الوحوش...الوحوش...الوحوش وكان كأنما يحسهم في النار تحت قدميه,فيزداد وقعهما
عليها...

مشى إلى باب الخرابة...وقف يلهث بشدة..ثم جرى نحو القبور...اقترب من قبرأمه مطأطأ
رأسه في سكينة...خطوة...خطوة...ثم تهاوى على ركبتيه...ضغط أسنانه مغمضا عينيه, وهو
يصرخ هازا قبضتيه يرجهما رجات انقباض وغضب...وبكى ساعة...ثم نادى أمه...وأخويه كل
واحد باسمه:

أمي...عمر...خولة...سأغيب هذه الأيام...ربما لاأعود إليكم مرة أخرى...

كان القمر يبدو من خلال السحب ويختفي...يبدو قليلا ويختفي كثيرا...وكان صوت الريح
يزيد من وحشة المكان... وكان واقفا بأسماله البالية أمام قبورهم... وهمّ بالانصراف
وسقطت من إحدى عينيه دمعة ساخنة على قبر أخته الصغيرة...التهمتها شفاه
التراب...وأمام مدخل المقبرة استدار متأملا المكان...لم تودّعه كما هي عادتها...ولا
أوصته... ولعله لمعرفته بحنانها الذي يبلغ المستحيل,كان ينتظر منها ولو في آخر
لحظة...ولو وهو عند الباب يغادر...أن تناديه...تقول له اهتم بنفسك, أو كان الله
معك...أو...كلمة...كلمة فقط...وألقى السمع لعل الكلمة تأتيه بين صفير الريح...أبطأ
المشي قليلا يعطيهما فرصة أخيرة...استدار...وأدرك أن الموت لاشك أكبرمن حنان
قلبها...وإلا لكانت قالت شيئا...

والذين يجرّدون الإنسان من صاحبة أدفئ قلب وأحنّ نظرة
...من أمه، ظلما...ثم ينقلبون ضاحكين، يحتسون النّخب، ويتحدثون عن العدالة والسلام
والمحبة والقانون يتساءلون لماذا يكرههم الآخرون...هل يدركون أي حزن يعصف الآن بقلب
الفتى...؟!

ولعله لم يستطيع أن يبتعد أكثر، فعاد إلى الداخل نحو القبور يجري...وتوقف لاهثا
يقول:

-أمي نسيت أن أقول لك شيئا...لقد جننت يا أمي...
وغلبه البكاء.

جرى إلى الخرابة يبعث الحياة في الأعواد التي أخمدها، وعلى الجدار تلاعب ظله
باشتعال عود الكبريت في يده... كان البرد شديدا يمزق جسده، آتيا من قمم الجبال
محمََََََلا بنسمات ثلجية لاسعة...

واقفا كان يبسط يديه للنار ثم يعود يفركهما، ثم يبسطها مرة أخرى...وحين أحس أنهما
قد لانتا وصار بالإمكان إمساكهما بما سيأخذ من الزاوية...جرى يلتقط سيخ حديد، يحفر
به الأرض...كان ظله قد انتقل إلى جدار آخر بانتقاله هو عن مكانه الأول حيث أشعل
النار...كان يحفر بتوتر وغضب...وسمع وقع خطى، ثم أحس شبح كائن يسد باب الخرابة،
ورفع بصره فرأى من خلال ضؤء النار وجه الداخل تتلاعب الظلال فوقه...

- شوكور؟! قالها المجنون باستغراب.

ورد الآخر:

- السلام عليكم يابني.

ولم يكن شوكور سوى إمام مسجد...أبيدت عائلته هو أيضا في القصف للقرية...وكان هو
آنذاك في المسجد يؤم الناس لصلاة العشاء... وتهامس الناس أن قصف بيت الإمام مقصود
كونه يقع منفردا نائيا...وقبل قصف بيته بثلاثة أيام كان شوكور قد قال في خطبة
الجمعة كلاما لم يعجب الغزاة، فاستدعوه لذلك، لكنه لم يمتثل، وقد هرب رغم عقود عمره
الثمانية التي لا يكاد يقوم بها إذا جلس، ولا يكاد يمشي إذا قام...ثمانون سنة يجرها
خلفه متعبة ثقيلة...وقال لمن سأله عن عدم امتثاله للاستدعاء: جسمي ضعيف لا يطيق
تعذيبهم وقد رأيت ما فعلوا بغيري...
ولم يقل الشيخ شوكور في خطبة الجمعة شيئا سوى مارّد به على أقوال الذين يقولون أن
كل الحدود الدينية ستسقط بزوال طالبان...من حرمة سماع الغناء، إلى وجوب لبس
الجلابيب للنساء،وقال الشيخ في ردّه أن أفغانستان أرض إسلامية، والعقيدة متجذرة في
أرض أفغانستان تجذر جبال قندهار...وعلى الغزاة أن يفرّقوا بين ماهو من عند طالبان
وما هو من عند الله، وعليهم أن يعلموا أن الذي ظهر منهم هو أنهم يحاربون الإسلام
لاغيره...

لم يكف عامر عن الحفر حين رأى الشيخ شوكورا الذي تقدم نحو النار يبسط كفيه نحوها،
وهو يقول:

- لماذا أنت هنا يا عامر؟

- كان الصبي جاثيا على ركبتيه يزيل التراب بيديه...واكتفى بأن رفع بصره نحو الشيخ
دون أن يقول شيئا...ثم عاد إلى عمله...

وقام الشيخ إلى حيث المجنون:

- دعني أعنك...ودفئ يديك قليلا...هيا...هيا...وحاول الفتى أن يمتنع لكنه استجاب
لإلحاح الشيخ...فقام إلى النار، دون أن يرفع عينيه عن الحفرة التي كانت يد الشيخ
ترفع منها ما بقي بها من تراب، وتتلمس ماظهر فيها ...كيس بلاستيكي أسود...حاول
الشيخ استخراجه...كانت جوانب الحفرة أضيق من أن يتسنى ذلك...لذلك ذهب يوسّع
الحفرة...وأخرجه مستعينا بعامر...

- ما هذا يا عامر...؟

مد الفتى يده إلى الكيس صامتا...نفض عنه غباره، وأخرج رشاشا ومسدسا...وثلاث قنابل
هجومية...وفي دهشة انفتحت عيون الشيخ أكثر...ولسانه لا يفتأ يردد:

ما هذا؟...ما هذا؟...يا إلهي...ما هذا؟!!

أما المجنون فأحس بنشوة كبيرة، وهو يتفحص أشياءه تلك، ولم يقل له الشيخ كلمة...فقط
انزوى في زاوية قرب النار فرش رداءه، واستقبل القبلة.

كانت عينا المجنون تخبئان أشياء وأشياء، وكان آنذاك يختار دربا...ويخطو فيه أولى
خطواته...كان يقول لنفسه:

ربما يخسر غيري إذا اختار هذا الطريق، أما أنا فقد بلغت خط النهاية وليس لي ما
أفتقده بعد هذا...وليس بعد النهاية إلا البداية...وسأصنع ميلادي من موتي....

ربما لم تكن فكرته تصلح لأن تصدر من مجنون، كانت أكبر من مخ تالف...لكن الظلم يحرك
الحيوانات التي لاعقل لها للانتقام والرد...

وبحركة سريعة التف الفتى بردائه بعد أن خبأ تحته ما استخرجه من الحفرة...وعند الباب
التفت إلى الشيخ فرآه ساجدا، فلم يقل له شيئا، ومضى مسرعا يغوص في بحر الظلام مثلما
كان الشيخ آنذاك يغوص في بحر النور يدعو: أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى
لقائك، وأن تحفظ هذا المجنون الطيب.

أدنت عائشة الملعقة إلى فمها، وكأنها حينذاك تذكرت شيئا
يجب أن تقوله...وكان عليها أن تبادر إما باللقمة أو بالكلمة، واختارت الكلمة...ولم
تكن تعرف أن الكلمة عزة...بينما لقمة العيش تقيد أفرادا وشعوبا وتُعلقهم في حاملة
مفاتيح الأسياد المتحكمين...الذين يبسطون أيديهم فيكاد يشبع أبناء
الفقراء...ويمسكونها فيتضورون جوعا...

- جدتي...لو أننا تركنا ديننا، هل كانوا يحاربوننا ويقتلوننا ويشردوننا؟

- لا يا ابنتي...الله يقول:"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم."
فإذا تركنا عقيدتنا صِرنا منهم...

وعادت البنت للاستفسار:

- وإذا تركنا لهم القدس يا جدتي وما يريدون من أرض وحق وخيرات، هل سيكرهوننا؟!!

- بالتأكيد لا يا ابنتي.

- لكن يا جدتي إذا تركنا ديننا وأحبونا هل سيحبنا الله أيضا؟!!

- الله لا يحب الكفر والتنازل عن الحقوق.

قالت البنت:

- وهل سيكون هناك مجاهدون وشهداء؟


- لايا ابنتي.

- إذن ما طعم الحياة يا جدتي...إذا لم يكن الله يحبنا، ولم يكن فيها شهداء؟!

أتعرفين يا جدتي؟!!

وتأملتها جدتها جيدا...تأملت براءتها وهي تقول بحنان:

- ماذا يا حبيتي؟

- أنا دائما أتمنى لو كنت مت أيضا مع أمي وإخوتي لأذهب معهم إلى الجنة...
ونلتقي هناك ونلعب ونفرح...ونكون معا لا نفترق أبدا...

وضمتها جدتها إليها...كانت تُحِسُّها كتلة تداخلت فيها العقيدة وبالبراءة، فلا تكاد
تنفصل عنها...
وهكذا...فحين تمتزج العقائد بالقلوب يصعب اجتثاثها...لأن القلب ساذج لا يحسب
ولايُقدّر...
بينما إذا امتزجت بالعقول فقط كان من السهل القضاء عليها...لذلك يكون من التضحيات
عند البسطاء
ما لايكون عند أصحاب الفكر.

كانت الجدة ترى بقية من الأسئلة في عيني حفيدتها لذلك انتظرت سؤالها الآخر:

- جدتي...نحن...لماذا جئنا إلى هنا وتركنا أهلنا...؟

- جاء أبوك للجهاد...وجئنا نرافقه...

- ألم يكن من الأولى ترك الروس هنا يا جدتي؟

وفوجئت الجدة بسؤال البنت، لذلك انتفضت قبل أن يكتمل...والأشياء المؤلمة تؤلم
بمطلِعَها...لا بتمام وقوعها...

- ما هذا الذي تقولين يا بنت؟!!

جاء المسلمون العرب، تركوا وراءهم قلوباً تحترق، وأكباداً تتفتت، وقدموا هنا
أرواحهم رخيصة ...ولما خرج الروس استقدم أهل البلد غيرهم...فما الفائدة إذن...؟!

كانت الفكرة قد هزت الجدة...وبدأت تتغلغل في جوانحها...لكنها كانت تطردها عنها،
كذبابة مزعجة تهشها
بيدها...غير أن الفكرة كانت أقوى...وصمتت الجدة مصدومة تفكر في كلام البنت
الصغيرة...أمَعَهَا حقّ؟!..
وإذا كانت عند شعب ما قابلية للاستعمار، أونزوع إلى العيش تحت السيطرة، فلماذا يضحي
المضحون لإخراج
زيد؟!...أليست قدم الشعبُ بعدهُ عمرو...؟!!


هؤلاء المجاهدون المسلمون العرب الذي نُكل بهم عند دخول الغزاة الأمريكان...من نكل
بهم أكثر من الأفغان ذاتهم؟ أوَ هكذا يُعاملُ الضيفُ والنصير؟! فأي إسلام هذا الذي
يبيح للمضيف قتل ضيفه المسلم المجاهد؟!...ومن أجل ماذا؟ من أجل إرضاء العدو...؟!!


وإذا كان سكان البلاد يرونَ في العرب غزاةً استحوذوا على ما كان يجب أن يكون
لهم...فلماذا يقبلون بالغازي البعيد الذي يستفز جنودُهُ نساءهم في الطرقات، وينتهك
حرماتهم في البيوت عند مداهمتها؟!!


فكم من فتاة اعتدي عليها وأُفقِدت شرفها...أيَهُمُّ ذلك والأرض ذاتها فقدت
شرفها...؟

وما الغريب في من يفتح أرضه للغزاة أن يفتح لهم الباب على بناته؟!!


فهل أخطأ المجاهدون حين جاؤوا لتحرير أناس يظهرون اليوم بعد دخول الغزاة أمام
كاميرات القنوات الفضائية يدخّنون بنشوة المنتصر ويلوّحون مقهقهين أمام سخريات
وهُزء أحرار العالم الذين يرون في تلك الوجوه المجعدة ذات الأعين الضيقة الحادة
وجوه بائعي ذمم أغبياء مغفلين؟!...فهل كان جند الله في المعركة الخطأ بحساب
الدنيا،لا بحساب الآخرة؟! أم أن هؤلاء الغرباء الذين جاؤوا تسوقهم نخوة الإسلام،
وتدفعهم الغيرة على عقيدته وأهله، والذين امتلأت بهم مقابر القمم والسفوح، كانوا
يريدون الجنة ويتخذون من أرض أفغانستان طريقا للمعراج إلى جوار الصالحين الذين
اجتازوا البرزخ، لا أرضا للحياة...؟!!

أفغانستان المتناقضات...مفترق الطريق إلى الله والطريق إلى
الشيطان...الجنة والنار...الوفاء والخيانة...القمة الشامخة والقعر السحيق...الموت
والحياة...الحياة والموت...قاتلة الضيف...مُؤوية الدخيل...مقبرة النصير...مضافة
المستعمر...والحرية ليست رداءً تلبسه الأجسام وإن كانت معجونة من طين
العبودية...الحرية...طينة تأبى العبودية
وتحرق أثوابها إن هي ألبستها...لذلك يكون من الخسران الموت من أجل عرض بغي ترفض
الدفاع عنها...وتستلقي إذا قُتل لها خليل، في حضن خليل آخر.

فلماذا يريق المسلمون بطيبتهم في كل مرة، دماءهم في فجاج تنكرُ النخل وتنبت
الغرقد...؟!!
والأرض التي لا تقبل النخل، وتقتله تربتها يكون جهد غرس فسيلةٍ واحدة منه فيها
مضيعة...

الصمت يحيل الكوخ عالمين أحدهما للجدة والآخر للبنت...ووجبة الأرز المغلي في الماء
بينهما قد بردت...
وكان الأمر كما كان دائماً حين تمنع الأفكار أهلها من لقمة العيش أو من الحياة
ذاتها أحياناً.

وعادت البنتُ من عالمها إلى الكوخ الذي أرادت أن ترجع جدتها إليه من عالم أفكارها.

فسألتها:

- جدتي فيما تفكرين؟

- لا شيء يا ابنتي.

كانت الجدة تفكر في كل شيء...ورفعت إلى فمها لقمة لا كتها بمرارة كما يلوك الواحد
كبد حبيب له مُكرهاً...

ودوى في الأرجاء طلق ناري...هاجت معه الكلاب بنباحها...ومن بعيد ترامت صرخات
نسوة...
وخرجت الجدة مسرعة تتوكأ على عكازها الخشبي، وقد سبقتها حفيدتها إلى الخارج، تُسكتُ
الكلب، وتزجره
ليكف عن النباح عساها تستطيع معرفة ما يحدث من خلال الأصوات الآتية من مكان
الحادث...

كان الوقت ظُهراً...وقد تراءى أمام بيت( بخشه دي) بعض الجنود من الغزاة...يجرُّون
شخصاً إلى الخارج،
ويركلونه...ربما يكون هو( بخشه دي) ذاته...وأطل ساكنوا الأكواخ الفقيرة، من كل سفح
وربوة يستطلعون
الخبر الذي شاع بعد ذلك وذاع...


فقد داهم سبعة من الجنود البيت...وأخرجوا منه صاحبه وزوجته مستبقين فتياته
الثلاث...وطال انتظار الرجل
خارج بيته يفرك يديه متوتراً...ويذرع المكان جيئة وذهابا...وتعالى صراخ بعض
بناته...فجرى إلى الباب يهم
بالدخول...وقد التصقت به زوجته...ومنعه الحارسان...ولكنه حين زاد الصراخ، هجم على
الباب وعلى
الحارسان، فاجتازهما إلى الداخل...وإذا به يُفاجأ بعرضه مرمياً تحت أحذية
الجنود...فاستل خنجراً هوى به على
رقبة أحد الجنود فحزّها...ودفاعاً عن النفس كما تقول التقارير ونشرات الأخبار عادة،
أطلق أحد الجنود
رصاص على (بخشه دي)...وجرّه جنديان إلى الخارج، ترفسه الأرجل...

كانت الخالة سعيدة تنظر من بعيد، تكاد تفهم ما يحدث...وهزها الخوف على حفيدتها، أن
يحدث لها ما تخاف
عليها منه...

ورأت كما رأى أهل القرية جمعيهم، جنود الغزاة وهم يحملون قتيلهم، ويركبون سيارتهم
العسكرية،
وينطلقون بسرعة محدثين صوتاً مزعجاً...ورُئِيَ أخو البنات المنتهكات بعد ذلك يحمل
رشاشه، ويتجه نحو الجبال
المجاورة المتلفعة قممها بالثلوج والأسرار والغموض...ربما طلبا للانتقام...ربما
هروباً من أعين الناس
ونظراتهم التي ستطارده بعد اليوم، أو لعله الهروب من أعين أمه وأخواته...

هل قال وهو ينقل خطاه في البرد نحو مقصده:

استغلّوا ضعفنا، وأخذوا منا وأمام أعيننا أعزّ ما نملك...

فلماذا نعيش بعد ذلك؟!! وهل له أن يقول غير ذلك؟!

خمس ساعات مرّت...وهو لا يزال يقطع بحر الظلام...كانت مناد
يف الثلج تتساقط من السماء لا يراها، لكنه يحس بها فوق أنفه وخديه...وقد تسرب إلى
نعله المهترئ بعض الماء والطين...فانبعث منه صوت مع كل خطوة...كان ذلك الصوت أنيسه
الوحيد والإيقاع الذي يستحثه لمواصلة المشي...

عواءات الذّئاب تشق سكون الليل بين حين وآخر، ووَقَعَ مرّة أخرى...متدحرجاً عبر
جرفٌ كأنه حافة واد...وفقد فردة حذائه...مد يده إلى الأرض يبحث عنها...لم
يجدها...كان الظلام دامساً، بحيث لم يكن يرى يده التي يبحث بها عن حذائه، ولولم تكن
جزء منه لفقدها هي أيضاً...


وأحس بهوانه...أيفقد حتى الحذاء؟!! وكان في حاجة إلى بعض بكاء...يُخرج به الحمم
التي في قلبه...وبكى وهو يواصل السير يائساً من حذائه الذي هو في الأصل حذاء أخيه
خالد...

كانت العواءات المتزايدة تزيد من ارتباكه...فهل هو يسير الآن نحو مصدرها؟!! وأنّى
له أن يعرف ذلك في مثل هذا الظلام الذي سرى فيه ليلته هذه...؟

كان مُصِراً على شيء واحد، هو المشي...وبالتأكيد فلم يكن يقصدُ مكاناً معيناً، وإلا
لعلم حتى وهو المجنون أن الجهات الأربع تضيع في مثل هذه الحلكة الدامسة...


تذكَّر علبة الكبريت التي في جيبه...أحس بنشوة...مدّ يده إليها...واكتشف أنه فَقَدَ
التحكم في أصابعه من شدة
البرد...وجاهد لإدخال يده في جيبه...بعد لأي كان له ما أراد...تلمّست يده العلبة
التي كانت في حاجة إلى عَصر من
جراء الماء المتسرب إليها...أراد أن يرميها، ولعل خاطراً خطر له جعله يعيدها إلى
جيبه...كان يشعر بالانزعاج من ثيابه المبللة التي تزيد جسمه تجمداً...واجتاحته رجفة
استعاد فيها صورة عائلته مجتمعة أمام موقد الحطب في الأيام الخوالي...تذكّر جدته
وأخته وقد خلفهما في الكوخ ضعيفتين...كانت الأحزان تحاصر قلبه من كل مكان...يصطدم
بها أينما تلفَّتَ...ومدَّ كُمَّ ثوبه إلى وجهه المتجمد يمسح عنه الثلج
الذائب...كان يشعر بأن الحياة قد انتهت...ولم يعد له ما يستطيع أن يراها به على غير
صورتها المطبقة على صدره بشدة...لقد استحال يومه ليلاً سرمدياً تنتحر فيه كل
الأحلام...فكيف يمكن أن يعيش بدون أمه؟!...بدون أبيه؟!...بدون إخوته؟!...


كانت جريمة الغزاة في حقه كبيرة...وهو يراهم اليوم في كل درب يقهقهون وينفخون دخان
سجائرهم في وجوه النساء المارات...
ساعة أخرى من المشي ربما قطع خلالها مسافة أخرى، وربما عاد إلى حيث انطلق...فالظلام
عماية يفقد فيها
المد لجون وجهاتهم...


بدأت حبيبات النور ترسم في الأفق فجراً باهتاً لا تكاد العين توقن به...والفجر
الصادق دائماً يبدأ بفجر كاذب...وما هي إلا لحظات حتى بدأت المعالم حوله
تظهر...والتفت يستكشفها...لم يكن بعيداً عن الطريق الآن...كانت ثيابه مبلّله
موحِلة...ثقلت على جسمه بما حملت من ماء...وتذكر حديثاً في النهي عن المشي بفردة
واحدة...فرمى بها من رجله...والتقطت أذنه صوت محرك سيارة قادمة من بعيد...وأنصت
يتأكد، فإذا ذلك حقيقة لا وهم...وجرى إلى الخندق على طرف الطريق...يراقب منه مصدر
الصوت...كانت المفاجأة مذهلة...فأيّ أقدار هذه التي تواتيه على
ما أراد...!!!

كان الله من فوق عرشه يرى المظلوم المبلّل يحمل بين جنبيه قلبه المنكسر، يطلب له
بعض السلوى...

اقتربت السيارة أكثر...كانت سيارة دوريه غزاة...ضغط على أسنانه...أدخل يده تحت
ردائه يُخرج أشياءه التي أخرجها من مَدفَنِ الخرابة...الرشاش والمسدس والقنابل
الثلاث...أحس بالدم يغلي في عروقه...تذكّر أمه...أباه...اقتربت السيارة...تذكر أخاه
خالداً...اقتربت أكثر...أخاه الصغير عمر...كانت قاب قوسين...أخته خولة...قاب
قوس...جدته وأخته عائشة...صارت أمامه...تذكر جنونه والأولاد يحيطون به ويصرخون
المجنون...المجنون...المجنون نزع صمام أمام قنبلة ورمى بها...اتبعها الثانية...وخرج
برشاشه يزرع الأجساد المحترقة في السيارة بحبات الموت النحاسية...كان يصرخ أنا
المجنون...المجنون...أنا المجنون...أنتم جننتموني...أنتم...وملأت رائحة البارود
المكان.


كان هائجاً، ينقدح الشرر في عينيه...واقترب من السيارة فإذا فيها خمسة جنود
صَرعى...أخذ منهم رشاشين وولى هارباً عبر الوادي مبتعداً عن الطريق أمتاراً، ثم عاد
كأنما رأى رأياً آخر غير الذي كان رآه حين انسحب نحو الجبل...وعبر الخندق المحاذي
للطريق وواصل سيره حَذِراً...

كانت الرصاصة التي تلقاها(بخشه دي) قد استقرت في فخذه،
وكان استخراجها يحتاج إلى عملية دامت
ساعتين، بعدها مباشرة وجد نفسه أمام محققين من الغزاة...

كانت الغرفة التي خُصصت للتحقيق في المستشفى في الطابق ذاته الذي توجد فيه غرفة
الاستشفاء التي نُقل إليها المصاب لقضاء فترة نقاهة...وقد أُخليت الغرف المجاورة،
وعُزل الجناح.

أخذ أحد الحراس العربة من الممرضة، فلم يكن من المسموح لها أن تعبر بها
أكثر...دفعها أمامه...
طرق الباب وأدخل المصاب، أوقفه في عربته مقابل مكتب المحقق، ثم خرج وأغلق الباب
خلفه.

كان الملف بالنسبة للغزاة في حاجة إلى طي سريع إن لم تكن أنباؤه قد ذاعت، وإلى
تحوير واجب إن كان الأمر عكس ذلك...

كان المحقق في الخمسين من عمره، يلبس نظارات...ويبدوأنيقاً...وإلى جانبه معاونه،
وفي الطرف الآخر جلس المترجم الذي يبدو من سماته أنه من أبناء البلد...ولم يكن يقطع
الصمت الذي يسود الغرفة سوى صوت أوراق كان المحقق يقلبها بين يديه...وكان اهتمامه
بها أكبر من اهتمامه بالمصاب الذي مضت على دخوله دقائق دون أن ينظر إليه، ولو نظرة
خاطفة، وحمل تلك الأوراق بين يديه يسويها بحافة المكتب...ثم نزع نظارته، وسوى من
جلسته، رافعاً رأسه نحو المصاب:

- أهلاً وسهلاً...أرجو أن تكون الإصابة بسيطة...وابتسم هو أو حاول أن يبتسم...

وسأله المحقق...نعلم أنك في حاجة إلى الراحة، لكن نحن أيضاً في حاجة إلى النظر في
الاتهام الخطير الموجه إليك...أنت من الثائرين الرافضين لوجودنا هنا أليس كذلك؟!!

وأراد المصاب أن يدفع التهمة عن نفسه، وتداخل صوته بجملة أخرى جديدة نطق بها
المحقق...وفي تقاطُع الصوتين وتداخلهما يصمت الطرف الضعيف دائماً ليكمل الأقوى
كلامه...ومقاطعة الضعيف للقوي دائما إن لم تكن استعلاءاً على القانون واستخفافاً
به، فهي سوء أدب...وأكمل المحقق:

- بيني وبينك، التهمة ليست سهلة...وقد تصل عقوبتها لحدّ ترحيلك إلى مكان بعيد
لتحقيق معك هناك وأخذ معلوماتك التي تخفيها عن علاقاتك بأطراف هي من ألدّ أعدائنا.

وحاول المتهم أن يتكلم...:

- ياسيّـ...

وقاطعه المحقق مرة أخرى مكملاً كلامه:

- إذا أردت نصيحتي، فاعترف...أنا من جانبي أريدُ مساعدتك، إذا سلَّمْتَ الأمر لي
ولزمْتَ الصمت
وفعلتَ ما أشيرُ به عليك.

- يا سيدي...لكنني مظلوم، أنا كنتُ أدافع عن شرفي...لقد اعتدى الجنود على
بناتي...ويمكن أن تسألهن.

بَدا الغضب على المحقق...ضرب الطاولة بقبضته، وقام يمشي في الغرفة يذرعها، دون أن
يتوقف عن الكلام.

- أيها الأحمق...نحن هنا في خدمتكم، هل يمكن أن تقول لي لماذا تركنا بيوتنا
وعائلتنا وجئنا إلى هُنا؟
إننا هنا من أجلكم أفلا يحق لجنودنا أن يحظَوْا بين حين وآخر براحة ومتعة؟!!


أليس من واجبكم نحوهم أن تبادلوهم البذل بالبذل والتضحية بالتضحية...وأن تتغاضوا عن
بعض ما يأخذونه منكم في لحظة يتسلون فيها لنسيان واقع وجودهم في هذه البلاد...وقد
ألفوا هناك في بلدهم المتقدم، المنفتح، أن يعيشوا بدون قيود، يأخذون من مُتع الحياة
مرادهم متى شاؤوا، لا متى سمحت لهم الفرصة،
مثلما هو الأمر هنا. ثُم، لماذا هذا التخلف؟!!

بناتك تجاوزنا سن (17) وهن مسؤولات عن أنفسهن، فما دخلك أنت؟ وأي شريعة هذه التي
تدعوك إلى قتل جندي فقط لأنك وجدته مع ابنتك؟!! هذه همجية...هذا تخلف...


كان المحقق يزبد ويرغي والمترجم يحوّل كلماته المتسارعة المضغوطة من شدة الغضب من
لغة غير مفهومة إلى اللغة التي يفهمها المصاب.

وأحس المتهم بأنه يستطيع أن يدخل من خلال تراخي لغة المحقق، ليقول شيئاً، فقال:

- أنا ما أردت قتل الجندي...صرخت بناتي...تستنجد بي، فدخلتُ...

- بل هاجمت...قاطعه المحقق مصححاً له لفظه.

- كان الواجب يدعوني إلى حماية شرفي...

- أي شرف هذا الذي تتحدث عنه؟! وفي أي قرن حجري تعيش أنت؟!! حذار أن تعيد هذا
الكلام مرة أخرى...ألا تريدون الخروج من هذه الظلمات؟! إذن لماذا لم تبقوا تحت حكم
أولئك المجانين الذين كانوا يجلدون ظهوركم ويقطعون أيديكم باسم الله؟...والله لم
يقل هذا...الله قال تمتعوا، وخلق لنا الحياة لنتمتع، هل أنتم تعرفون الله أحسن
مِنّا، أنتم لا تعرفون حتى اسم عاصمة بريطانيا، فكيف تدَّعون أنكم تعرفون
الله...؟!! اسمعْ
يبدو أن لغة الرحمة لا تنفع معك...أيها النقيب استدع حارساً لأخذه، فأمام المشنقة
يعترف القتلة دائماً.


هوى المسكين إلى الأرض يمسك برجْل المحقق الواقف قريباً منه يُقبلها...وتصنّعَ
المحقق الرحمة
والأخلاق...ومد يده يعين المصاب على الرجوع إلى عربته وهو يقول:

- أنا أريدُ أن أخدمك، لترجع إذا أردت بعد مدة النقاهة إلى بيتك مباشرة...ألا تقول
أنك تريد المحافظة على بناتك؟

المحافظة الحقيقية ليست في أن تقتل من أجلهن إنساناً...بل في أن تكون معهن توفر لهن
ما يحتجن إليه مِنْ أكل وشرب هذه مهمّتك.

وفكر المغلوب على أمره وكان مُكرَهاً، لا يملك خياراً أو بديلاً...نزلت من عينيه
دمعتا قهر...
وقد كان صاحب شيبة تطعنه الأيام في أعز ما يملك، وابتسم له المحقق فابتسم...وضحكُ
الرجُلِ المقهور بـكــــــــــاء...

واصل المحقق كلامه زيادة في إقناع الضحية بوجوب تجرُّع المرارة دون عبوس، وابتلاع
المسامير دون تألم...كان يخاطب فيه غريزة البقاء التي تصنعها الرغبة والرهبة،
والعقل في لحظات كهذه وَبَال...وحين يتحول العِرْض إلى مسألة قابلة للموازنة
والحساب، ويكون التنازل عنه قابلاً للإقناع، تسقط مصطلحات الشرف والتضحية والعزّة
من القاموس، وتتحول القِمم من معان للرفعة والشموخ إلى مجرد هياكل طويلة
بلهاء...تماماً كما تتحول الشوارب من معاني للرجولة إلى كونها مجرّد شيء شبيه
بمكنسة قمامة...فهل الجنون في لحظات مساومة كهذه أفضل من العقل الذي يوازن بين ما
يخسر وما يربح، ليختار الربح ولو كان زائفاً تختبئ وراءه خسارة كل شيء؟!! ووقَّع(
الموعود خيراً) ورقةَ التزامِ التنازل، ودُفعت عربته نحو غرفة النقاهة، وفي عينيه
شكوى عجوز مستضعف، أرغم على شُرْبِ الكدر.

كانت مناديف الثلج تزداد، حتى غدا النظر من خلالها يكاد
يكون مستحيلاً...وأحسَّ" شهندة" بالتعب...فقد قضى ليلة بكاملها في العراء...كانت
مشيته المترنحة تكشف مقدار ما أصاب قواه من الخور...أما تفكيره في أخواته اللاّتي
صرنَ ولا شكّ حديث القرية بما اقترفه في حقهن مجرمون آثمون، فلم يكف...الأسئلة
المرّة تحاصره من كل مكان...فما الذي يمكن أن يفعله ليثأر...؟ وهل سيستطيع الصمود
في مثل هذه الأجواء القاسية؟! ولمن ترك أمه وأخواته وهن أحوج إليه من ذي
قبل...فأبوه غائب قد أُخِذَ إلى مكان مجهول...ولا يدري أهو في الأحياء أم في
الأموات...وكم من الوقت ستسعفه قواه وعزيمته، إذ سيُعَدُّ خارجاً عن القانون،
وآنذاك فليس أمامه من مصير منتظر سوى أحد أمرين: الموت أو السجن.

وماذا يستفيد بعد ذلك...؟!

كان قلبه المعتصر يدفعه إلى الأمام...وعقله بأسئلته وحساباته وتقديره يناديه
للتسليم والعودة...ولتمزق ألمه...
خاصة وأن "شهندة" عاش في كنف والديه مثلما يعيش كل أخ للبنات، مدلّلاً رغم الحاجة،
ومُفَضَّلاً رغم الفاقة والعوز.

وبين سؤال وجواب وجَدَ نفسه مسمَّراً في نقطة تحت الثلج...لا يتقدم استجابة لدعوة
قلبه، ولا يتراجع تلبية لمطلوب عقله...كان يقف في نقطة يتقرر بعدها مصيره...هي الحد
الفاصل بين طريق وطريق...طريق يختار فيه نفسه ويخسر كل شيء غيرها...وطريق آخر يربح
فيه العافية والطمأنينة، لكنه يخسر فيه نفسه...وتأرجح بين داعيين تقاربت قوتهما
وتعاكس اتجاهاهما...ولو كان معه غيره وأشار عليه بأحد الأمرين لأضاف إلى إحدى
الكفتين عنده ما يرجحها على الأخرى...لكن أنّى له أن يُرجح؟!!

كان عمره عشرين سنةً لم يعرك الحياة بعد ولا عركته...رغم قساوة الظروف التي عاشها،
كونه كان في كل ملمة يُطأطِئ لتقع على رأس أبيه الذي كان يتحمل عنه وعن جميع
العائلة مصائبها، ولعل حداثة سنه تلك هي التي جعلته في تلك الساعة ينسى خطْبه
والمصيبة التي رُزئَ بها، ليوازن بين أشياء تافهة يبني عليها قراره...يوازن بين
قساوة العراء وبرودة الثلج وبين دفء الكوخ وجلسات السهر في الليالي الباردة أمام
نار الموقد...يوازن بين أن يكون وحيداً شريداً يقطع الفيافي ويتوقع الأخطار في كل
مرتفع ومنخفض وبين أن يكون مع أمه وأخواته آمناً...

وكان تدبير عقله يزداد رجحاناً على نداء قلبه ورجولته...فهل كان الحسم سيكون لرجولة
والشرف لو أن عقله الذي يأمره بالتراجع قد توقف فجأة مُسْلِماً الأمور
للجنون...فماذا لو كان مجنوناً؟! أكان يفكر في مثل
ما يفكر به الآن...؟!

نعمة الجنون في الأوقات التي لا يحتاج فيها الأمر إلى تفكير، كنعمة العقل في
الأوقات التي يحتاج فيها
الأمر إلى تفكير وتدبير...

إنها اللحظات الحاسمة التي يبدأ فيها تحول الأسود إلى كائنات ممسوخة تتراقص على
طرطقات سياط
مهرّج سيرك، وحينما يتحول الأسد من الصحراء إلى السيرك، فإنه يبقى يتنفس،
ويزأر...لكنه يفقد كل تلك
المزايا التي تحوله من مخلوق تخافه الأبطال إلى مسخ يبصق عليه الأطفال الصغار من
خلال قضبان القفص...وحين يبدأ أفراد شعب شرس في الانحناء لئلاّ يصيبهم السيف، حتى
وإن كانوا يخسرون بالانحناء
ما لا يخسرونه بقطع رؤوسهم، فإنّ مشروعاً تدجينياً خطيراً يكون قد بدأ يتغلل، كالسم
في الأوصال...

كان واقفاً في نقطة الحيرة لا يتقدم ولا يتأخر...ونظر إلى الخلف، فرأى آثار أقدامه
على الثلج، ثم نظر أمامه، فلم يرَ مثل ذلك...هما أرضان...أرض قطعها مدعواً لأن يبقى
أسداً...وعليها آثار خطاه أسداً...لكنها تقبل آثاره عائداً مسخاً...وأرض أخرى أمامه
لاتقبل إلا خطى الأسود ...ولا ترتسم على ثلجها إلا آثار أقدام قطعت الشك
باليقين...والضعف بالعزم...والتردد بالمضاء...وآلمه ما ترجّح عنده ...وكان مقهوراً
مُكرهاً مثل أبيه...
وخَطَا نحو المنخفض الذي جاء منه، عائداً يمحو آثار الإقدام بالإحجام...ويقتل الأسد
بالمسْخ...

أحس بنفسه قزماً لم تُسْعِفْهُ عزيمته لبلوغ القمة فعاد على أعقابه لينظر إلى
انكسار أخواته اللاتي لا يستطيع أن يقدم لهن شيئاً...ورغم أنهن سيفرحن برجوعه رحمة
به، فإنهن لن يستطعن تجاهل الإحساس الرهيب الذي يمزقهن حين يرينه قد عجز رغم كل
الدوافع وفداحة المصيبة أن يكون رجُلاً...
ولاشك أن صوتاً هامساً سيناديهن من داخلهن: أي رجل هذا الذي لا يثور لشرفه؟!!
وسيحاولن طردَ الهمس من جوانحهن شفقة بأخيهن، لكن الهمس يتحول إلى قهقهات ساخرة،
لاذعة، قاتلة، وهُنَّ يرين أخاهن ينسحب بعد ذلك من البيت كلما رأى سيارة الجنود
الغزاة تتوقف، مفسحاً لهم المجال للحظات من المتعة...أَوَ ليسوا هم الذين جاؤوا إلى
هنا من أجله، ومن أجل أبيه، ومن أجل بقية أبناء القرية وأهل البلد، تاركين وراءهم
بلدهم المتحضر، ودفء أسرهم؟!! أليس ذلك أقل واجب عليه كمضيف نحو ضيوفه؟!!

مشى ساعات طويلة وقد أزمع العودة إلى البيت، ولم تكن جوانحه لتخلو من بقية صوت
ضعيف، يشبه أنات استغاثة من مطعون تهاوى بدمائه على جدار يتشبث به بيديه...كان
الصوت الضعيف يؤنّبه...ويضع أمامه آخر التساؤلات.

هل أخطأتُ حين قررتُ العودة؟!!، ولم يأْبه، خنق الصوتَ في ضميره، وأطل على القرية
من خلال غبش المناديف المتساقطة من السماء...ولم يعد في حاجة إلى كبير جُهد ليعرفَ
الطريق المؤدي إلى بيته بين تلك الأكواخ والأسوار والحِمىَ...فلقد تعود منذ صغره أن
يخرج بأغنامه للرعي في هذا المرتفع حيث يقف الآن...

كان الانحدار يدفعه إلى الأمام رغم تعبه...وتتسارع خطاه دونما قصد منه، حتى يكاد
يفقد السيطرة عليها، فيحاول التماسك...وتصطدم قدمه بحجر، فيتعثر فوق الثلج متدحرجاً
لعدة أمتار يتاطير فيها غطاء رأسه، وحذاؤه بعيداً... تماماً كما حدث للمجنون عامر
حين فقد حذاءه...غير أن الأمر يختلف، فهذا يفقد حذاءه راجعاً نحو الأسفل ليكون
خلقاً آخر غير الذي كان خرج قبل ذلك اهتزازاً لنبض جرحه الغائر، وذاك يفقده
مُقْدِماً ليكون هو كما كان دائماً، وكما ينبغي أن يكون، مجنوناً يتصرف بعفوية، لا
بحسابات...

اقترب من البيت...رأى سيارة الجنود قرب الباب...ركَن إلى الجدار يتقي المناديف التي
يزيد الريح من سرعتها...بدأ يحس بالبلل، تمنى فقط لو يدخل إلى البيت...فقط ليقترب
من الموقد، ليتصاعد من ثيابه البخار...ليحس بالطمأنينة، بالدفء، لينام...وفكر في أن
يتجرأ ويدق الباب...ويطلب من الضيوف السماح له بالدخول، فقط ليحقق أمنيته قرب
الموقد...وهو على تلك الحال...سمع قهقهات تتعالى...وثلاثة جنود يخرجون،
تأملوه...انكمش، اقترب أحدهم منه...انكمش أكثر...ركله...خفض عينيه نحو الأرض في
استعطاف...تركه، ولحق بصاحبيه، ركبوا السيارة وانطلقوا...ودخل هو إلى البيت، ليرى
عيون أخواته المتقرحة من الدمع تتمسح بصدر أمه التي تركتهن حين رأته، وجرتْ إليه
تحضنه:

-" شهنده"، عُدتَ يا بني...تعال...تعال... ،وأخذته نحو الموقد ليحقق حلمه الذي باع
من أجله كل شيء، ومن أجله عاد.

(سياتل)...القرية الأمريكية التي تُحسِنُ استقبال الرسائل،
لكنها لا تُحسِنُ التماسك أمام ما تحمله من أخبار مؤلمة.

وبين الشموع جلست السيّدة (مارغريت) بثيابها السوداء تتأمل صورة ابنها الذي نعتْهُ
إليها الأخبار منذ ساعات...ودخل عليها زوجها (بينْ)...فلم تنتبه إلا وهو يضَع ُيده
على كتفها... :إنه بطل...لقد مات وهو يؤدي واجبه...وانتفضت في وجهه:

- أي واجب هذا الذي تتحدث عنه...أفَصِرْنا نلِدُ مِنْ أجلِ أن يبلغ الطامحون إلى
المجد المجنون ما طمحوا إليه بفلذات أكبادنا؟!!

هل كان من الواجب أن يحشر أبناء عمومتك أنوفهم في كل القضايا التي تحدث في هذا
الركن أو ذاك من الكرة الأرضية، حتى وإن كانت لاتهمهم؟

و(مارغريت) هذه امرأة من أصول هسبانية، أما زوجها فمن أصول بيضاء، بريطانية على
الأرجح، والبيض يتخوفون من تنامي نسبة ونفوذ الهسبانيك في البلاد، وهناك ولايات
كثيرة تغيرت تركيبتها السكانية لذلك، ونهَرَها زوجها بلطف:

- أعذرك...وأعرف مقدار صدمتك بابنك...لكن رجاءً هوّني على نفسك...

- أهون على نفسي...كيف وابني المقتول سيصِلُ بعد ساعات في تابوت مغلق، وقد نرى منه
عضواً سالماً،
وقد لا نرى ذلك البتة...

- المجرمون، الهمج،المتخلفون، قتلوه، تباً لهم...قال(بينْ) ذلك وضرب الطاولة أمامه
بقبضته فاهتزت، وسقط من فوقها غليونه، والشمعدان الثلاثي الذهبي اللون بما فيه من
شمعات...وقالت زوجته:

- الهمج كما تقول لم يأتوا ليقتلوه هنا...بل قتله الذين أخذوه ليقاتل في أرض ليست
أرضه...

- لكن عن فكرة هي فكرته، قال زوجها مقاطعاً، فردّت:

- قل لي بحق السماء، ما هي هذه الفكرة التي خرج ابنك يقاتل من أجلها في أفغانستان،
التي أراك مقتنعاً بها حدّ التسليم بموته...؟!

إننا نحمي للآخرين أراضيهم، لكننا نحمي فيها أفكارنا.

- إن أبناءنا هم جند الشيطان في المعركة الخطأ...وإلا فأي حق هذا الذي يأمرنا الله
بإخراج أبنائنا لحمايته
في أقصى الأرض...؟!!

- فعلاً...لو أُعطيَتْ لك دفة السياسة...لرجعتِ بأمريكا إلى البيت.

- وماذا فعل الذين أخرجوها إلى بيوت الآخرين...هل فَعَلوا أكثر من أنهم حرمونا
الأمان وألبوا علينا جنون المنتقمين، ونقمة المجانين...؟!هيهْ...قل لي ماذا أكثر من
ذلك؟.ماذا يفيد أن تحقق نخبة مجنونة طموحها التوسعي ويفقد الشعب كله أمنه
واطمئنانه...؟!!

كفى يا امرأة...أرى أن الصدمة قد أثرتْ على أعصابكِ وعقلكِ...هل جنِنْتِ؟!!

- كثيراً ما حدثتمونا عن الديمقراطية، وعن حكم الشعب نفسه بنفسه...فهل الشعب يختار
لنفسه الموت من جراء سياسته تجاه الآخرين وظلمه لهم؟! هنا يا(بينْ) قلب
الديكتاتورية ومركز التسلط.إن الذي يحكم أمريكا ليس هو شعبها...إن الحاكم الفعلي هو
هذه العصابة التي تملك هنا كل شيء...المال، والإعلام، والسلطة، والرفع، والخفض،
والنصب...هل تستطيع أن تُقنِعني بغير ذلك؟!!

كان وقع نَعْلِ الكهل على الأرضية منتظماً، بطيئاً...ولم تحاول أن تلتفت إليه، وهو
يقصد الباب ثم يعود إليها، وقبل أن يبْلُغَها، قال:

- (مارغريت)...رجاءً لا أعصابي ولا أعصابك تحتمل أكثر من هذا، بل ولا هذا...لذلك
ارحميني فأنا رغم كل شيء أب يفقد ابنه.

- ولماذا تأسف عليه أيها الأب الحنون، وقد مات حسب اعتقادك لتحيا أمريكا، ثق يا
(بينْ) أن الشعب هنا قد يسكت إذا ما أصيب في المرة الأولى، وقد يسكت في الثانية
والثالثة، لكنْ لكل شيء حدود...وحين يطفح الكيل لن ترضى عشرات الملايين أن تدفع
الثمن من أمنها، ودماء أبنائها، ومصالحها فقط لتحقق نزوة هذا هنا...أو تساند ذاك
هناك، وحينها ستخرج الجموع لتنقضّ على هؤلاء الذين يرمون الآخرين ثم يعرضون الشعب
للخطر مختفين خلفه متترّسين به...

- هذا هراء يا (مارغريت)...كأنك تتحدثين عن ثورة شعب في العالم الثالث،استفيقي يا
عزيزتي... هنا أمريكا.

- للأسف فقد سبقتنا شعوب العالم الثالث في التحرر، لكننا سنلحق بها...هذا
مؤكد...لأن التحرر ليس له زمان ولا مكان.

- أراك تتكلمين عن الحرية وكأننا مستعبدون يا امرأة...؟!!

- أنا أقرّ أني مستعبدة، فقد أرسل ابني إلى معركة كنت أعلم أنها ليست معركته، ورغم
ذلك لم أستطع الممانعة...وابني ذاته كان عبداً...ولو لم يكن غير ذلك فلماذا لم يجهر
بما كان يسرّه لي من كونه غير مقتنع بما هو مقدم عليه...؟!!

وقامت من مقعدها، ثائرة توجه سبابتها إلى وجه زوجها:

- وأنت هل تستطيع أن تفعل أكثر من التفاعل مع ما هو مرسوم لك؟! لقد ترشحت لانتخابات
الكونغرس، وتعرف بأي دعم فاز خصمك وبأي ولاء...

وكالتي فقدت عقلها، صرخت:

- كفانا كذباً على أنفسنا يا رجل...هل تستطيع أنت الأمريكي أن تحكم بلادك إذا لم
يساندك رئيس وزراء إسرائيل عبر لوبيه هُنا؟! هيا قل لي، لماذا صمتَّ؟!..قل لي...وهل
تستطيع حتى إذا أنت وصلت إلى سدنة الرئاسة أن تتجرأ وتعلن في سيادة وقْفَ المساعدات
المالية لإسرائيل في تقتيلها لأطفال العرب والمسلمين...؟!!

كانت نبرات صوتها ترتفع، وتشنجها يزداد...حتى إذا بلغت من ذلك ذروته سقطت مغميّاً
عليها...وسارع هو إلى إسعافها وفي رأسه كلماتها الجريئه التي كان دوماً يراها في
أعين الكثيرين في كل مكان...ولا يسمعها...أفكان انعدام الجرأة هو الشيء الوحيد بين
الحقيقة التي يخفيها الجميع وبين الوهم الذي يعيشون فيه؟!!

لو كان معه شخص آخر لمال عليه ولهمس له أن غليله لم يُشفَ
بعد، وأنّ جنونه ما زال يصر عليه أن يعيد الكَرّة...كان يمشي بحذر إلى جانب الطريق
عبر خندق يصلح لاختبائه إن اضطر إلى ذلك...النشوة الغامرة تملأ كيانه، وتدب في جسمه
دبيب النمل، تدفعه إلى أن يضرب صدره بقبضاته، فلقد أحس أنه حطم حاجز الخوف الذي يعد
فاصلاً بين طريقين...وبعد الآن لا تراجع، فقد فعلها وانتهى الأمر.

كان كلما أحس بصوت سيارة أو شاحنة تقترب كَمنَ في الخندق حتى إذا مرَّت وتأكد من
تجاوزها له، خرج يُوَاصلُ مشيه...

وقع العمليّة أنساهُ ألم البرد الذي كان يحسه في قدميه الحافيتين...غير أنه لم يكفّ
عن مسح مناديف الثلج
التي كانت تستلقي على وجنتيه وأنفه في إعياء شديد، كأنما أتعبتها المسافة التي
قطعها بين السحاب والأرض...فوصلت مترنّحة تستعجل مستقرَّها...

مرّ بهيكل بقرة ميتة...لم يبقَ منها إلا العظم...وتذكّر لمّا رآها أنه لم يذق
طعاماً منذ أن خرج من عند جدته التي وعدته ببيض مسلوق للعشاء...غير أن النار
المتأججة في أحشائه عجلت بخروجه، ولم تهمله إلى وقت العشاء.

وحدّث نفسه بأشياء كثيرة، كما استرجع ذكريات مرّت، ورسم أحلاماً قد تأتي لوحدها،
وقد يصنعها هو...
شاحنة عسكرية تبدو له قادمة من بعيد...كانت قطع الثلج تمنع الرؤية عن بُعْد إلا
تدقيقاً...ومسح عينيه، ثم ضيقهما يتأملها...ليتأكد...

كانت شاحنة عسكرية فِعْلاً وداخله إحساس الذي ليس بينه وبين مهمة صعبة كُتِبَ عليه
خوضها سوى لحظات...أمتار...

وكَمَنَ يُخرج عدّته، مبقياً عينيه عليها...ومع اقترابها تزداد التفاصيل
وضوحاً...أصوات الراكبين من الخلف بدت واضحة الآن...كما اتضحت وجوه الراكبين من
الأمام.

وفكر بما سيواجههم به... القنبلة أم الرشاش...؟!!

لم يعد بينه وبينها أكثر من خمسين متراً...رأى أطراف ثياب بعض الراكبين من الخلف
بادية...وسمع كلامهم...كانوا أفغاناً...أحس بالإحباط، وحاصرته الأسئلة: هل يلقي
بالقنبلة فيقتل جنود الغزاة الذين بدا منهم اثنان في مقدمة الشاحنة ومعهم السائق،
ويقتل معهم مسلمين، أمْ يضع يده على نار قلبه الآن كابتاً لهبها....وليس سهلاً أن
يضعَ مثله كفه على فوهة البركان يمنع خروج الحمم، غير أنه يبقى الخيار
الأسلم...ورغم كل شيء فهؤلاء من أبناء البلد، صحيح أنهم صفقوا لمجيء الغزاة، غير
أنهم نالوا جزائهم من ضيوفهم، تماماً كما ناله(بخشه دي) بانتهاك عرض بناته، وطعنه
في شرفه، ولا يكادُ يمر أسبوع إلاّ وقنبلة تُلقى حسب زعم الغزاة خطأ على أهل بيت
فتستأصل خضراءهم، أو رصاصة طائشة تخترق جسداً فترديه هامداً...

غير أن الفتى لم يستطع أن يحسم أمرهُ، كان التردد يضغط عليه بشدة، كون الظرف يتطلب
منه أن يقرر بسرعة...وتأملها في كفه...القنبلة...وأمسك بمسمار المؤَمّن يعدّل
جانبيه ليتمكن من سحبه مع الحلقة المعدنية...وتحركت شفتاه بهمس يرتفع تدريجياً:
الله أكبر...الله أكبر.

كان مذهولاً يصارع أمواج الأسئلة التي تغرقه...ورأى وجوههم بتقاسيمها الشاحبة التي
تطل المعاناة من خلالها...وتذكر أن لهم أولاداً ضعافاً ينتظرون عودتهم...كانوا من
أهل البلد، وقتْلُ المرء في بلده كقطع نخلة في منبتها...إنهم يختلفون عن أولئك
الذين جاؤوا من بعيد، لا لشيء سوى ليمارسوا ظُلمهم وتسلطهم، وليكون قتلهم في غير
أرضهم عدالة...

رأى في وجه أحد الراكبين في الخلف من أبناء البلد وَجْهَ أبيه...وسأل نفسه: أيمكن
أن يكون هؤلاء مغلوبين على أمرهم وهم يُنقلون
الآن إلى سجن بعيد مثلما نُقل أبوه وأخوه ذات مرة أسيرين...؟!!

أحس بالشفقة عليهم...طأطأ رأسه مغمضاً عينيه، طارداً فكرة عملية قد تزيد ناره
ناراً، وحزنه حزناً...ولم يرفع عينيه عن الأرض إلا والشاحنة ق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
sheomy
مراقبة عامة
مراقبة عامة
avatar

تاريخ التسجيل : 19/07/2010
العمر : 22
الموقع : منتدى معهد فتيات المنطقة السادسة

مُساهمةموضوع: رد: روايه المجنون   الثلاثاء أغسطس 16, 2011 8:57 am

منقوووووووووووووووووووووووووووووووول
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
روايه المجنون
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى معهد فتيات المنطقة السادسة :: == قسم بحر القصص ==-
انتقل الى: